علاقة رب العمل بالمقاول: لا يمثله ولا هو تابع له، السلطة الفعلية عليه تجعله مسؤولاً عن أخطائه
القاعدة
لا تنعقد الخصومة القضائية أمام محكمة نظر الطعن إلا بالإعلان الصحيح للخصم نفسه أو في موطنه الأصلي أو المختار المبيّن في ورقة إعلان الحكم. فإذا ما دفع الخصم بعدم انعقادها لبطلان إعلانه في الحالات التي لا يجدي في تصحيحه الحضور، كان دفعه جوهرياً، ولزم المحكمة إن هي رفضته أن تعرضه وأن تردّ عليه بسبب سائغ، وإلّا تفعلْ يكنْ حكمها مشوباً بالقصور في التسبيب.
إن مفاد نص المادة 645 من القانون المدني أن الأصل في المقاول، وهو يصنع شيئاً أو يؤدِّي عملاً لربِّ العمل، أنه لا يخضع لإدارته وإشرافه بل يعمل مستقلاً طبقاً لشروط العقد، فلا هو يمثله ولا هو بتابع له، ومن ثم فلا يكون ربُّ العمل مسؤولاً عن خطئه. على أنه متى كانت لصاحب العمل على المقاول سلطةٌ فعلية، بأن كان خاضعاً لتوجيهه ولرقابته في تنفيذ أوامره، كان مسؤولاً معه عن خطئه مسؤوليةَ المتبوع عن أعمال تابعه المقررةَ بنص المادة 177. فإن تحقَّق ذلك، كان الاثنان كلاهما مسؤولَين بالتضامن عن الأضرار الناشئة عن تنفيذ العقد، وجاز للمتضرر أن يختصمهما بطلب التعويض مجتمعين أو منفردين.
أحكام المسؤولية التقصيرية ليست وليدة الإرادة الحرّة بل هي من أمور النظام العام، والقانون هو الذي يقررها. وقد نصت المادة 220/3 من القانون المدني على بطلان الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية المترتبة على العمل غير المشروع لما فيه من انتقاصٍ من الضمان المقرر للطرف المتضرّر أن يعود على المتسببين في الضرر فرادى أو مجتمعين، ما يستتبع أن أثر ذلك الاتفاق لا يمتد إلى غير طرفيه.
ملخص القضية
أقام الطاعن الدعوى ...-2017 أمام محكمة ... الجزئية مختصماً المطعون ضدهما والمدعى عليه الثالث، الممثل القانوني للمجموعة ... للأعمال الكهربائية، بما مجمله أنه بتاريخ 15-8-2011، كان يقود سيارته على الطريق العام ملتزماً قواعد المرور، فإذا بها تسقط في إحدى الحفر على جانب الطريق كان المدعى عليه الثالث أحدثها تنفيذاً للأعمال المتعاقد عليها من الباطن مع المطعون ضده الثاني بصفته المقاول المتعهّد بأدائها لمصلحة المطعون ضده الأول، إذ تُركت أعمال الحفر دون علامات أمن وسلامة تدلّ عليها، وهو ما يعد خطأ تقصيرياً موجباً للتعويض. لهذا أقام دعواه طالباً الحكم له بتعويض عن تلف سيارته تلفاً كلياً جرَّاء ذلك، وعما أصابه من ضرر معنوي. وأثناء نظر الدعوى تركها ضد المدعى عليه الثالث.
قضت له المحكمة بترك الدعوى ضد المدعى عليه الثالث، وبإلزام المطعون ضدهما بتعويضه بمئة وخمسين ألف دينار عن الضررين. استأنف الطاعن والمطعون ضدهما الحكم أمام محكمة ... الابتدائية فقضت بإلغائه، وبعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة. وهذا هو الحكم المطعون فيه.
المسألة والرأي
وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون من وجهين اثنين:
الأول: دفع بعدم انعقاد الخصومة في الاستئنافين: 23-...، 35-... المضمومين لاستئنافه، وذلك لبطلان إعلانه، لكن المحكمة لم ترد على دفعه. ووجه البطلان أنه (الطاعن) وكَّل محاميين في إقامة استئنافه الأصلي ...، وأثناء نظره، ضمَّت إليه المحكمة ذينك الاستئنافين الأصليين فدفع ببطلان إعلانه بهما لأنهما أُعلنا إلى محامييه رغم اقتصار وكالتيهما على إقامة استئنافه دون أن تمتدا إلى أي استئناف آخر.
ثانياً: قضى الحكم المطعون فيه بعدم صفة المطعون ضده الأول استناداً إلى العقد المبرم بينه وبين المقاول الأصلي (المطعون ضده الثاني) والذي يقضي في المادة 15 بالتزام هذا الأخير بالتأمين ضد الأضرار التي قد تصيب الغير، وبمسؤوليته وحده عن هذه الأضرار متى كانت ناشئة عن تقصيره في اتخاذ الاحتياطات اللازمة لضمان سلامة الآخرين. وقضى بعدم صفة المطعون ضده الثاني تأسيساً على أنه تعاقد مع مقاول من الباطن (المدعى عليه الثالث المقضي بترك الدعوى في مواجهته) على تنفيذ الأعمال المتفق عليها بموجب العقد المبرم بينه وبين المطعون ضده الثاني. وقد نص هذا العقد في مادته 18 على مسؤوليته وحده (المنفِّذ) عن أي أضرار ناشئة عن أعماله التنفيذية. وانتهى إلى انعدام علاقة التبعية والتضامن في المسؤولية بين المطعون ضدهما والشركة المنفذة، ومن ثم إلى عدم صفة المطعون ضده كليهما رغم الفساد في الاستدلال الذي انبنت عليه هذه النتيجة. فمن المعلوم أن علاقة التبعية تقوم متى كان للمتبوع سلطةٌ فعلية على التابع تخوله توجيهه في عمله ولو كان التوجيه عاماً، ومراقبة تنفيذه لأوامره، وذلك بصرف النظر عن قيام علاقة تعاقدية.
وهذه السلطة الفعلية متحقّقة في العلاقة بين المطعون ضدهما لما هو منصوصٌ عليه في العقد من تولِّي أولهما الإشراف على تنفيذ الأعمال المتعاقد عليها، والدخول إلى موقع العمل ومعاينته ومراقبة سيره، وإصدار التعليمات اللازمة لتنفيذه على الوجه المطلوب (المادة 20). وهي متحقّقة أيضاً وبالنطاق ذاته في العلاقة بين المطعون ضده الثاني والشركة المنفذة على وفق ما تنص عليه المادة 13 من العقد.
وحيث إنه عن النعي الأول، ففي مجمله سديد؛ ذلك أن الخصومة القضائية أمام محكمة نظر الطعن لا تنعقد إلا بالإعلان الصحيح للخصم نفسه أو في موطنه الأصلي أو المختار المبيّن في ورقة إعلان الحكم. فإذا ما دفع الخصم بعدم انعقادها لبطلان إعلانه في الحالات التي لا يجدي في تصحيحه الحضور، كان دفعه جوهرياً، ولزم المحكمة إن هي رفضته أن تعرضه وأن تردّ عليه بسبب سائغ، وإلّا تفعلْ يكنْ حكمها مشوباً بالقصور في التسبيب.
لما كان ذلك، وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه ومن الصور الرسمية لصحائف الاستئناف ومذكرة الدفاع المقدَّمة من الطاعن أن المحكمة المطعون في حكمها ضمَّت أثناء نظرها استئنافه الأصلي ضد المطعون ضدهما استئنافي هذين الأخيرين، وهما أيضاً استئنافان أصليان، فدفع ببطلان إعلانه بهما لإعلان صحيفتيهما إلى محامييه في استئنافه الأصلي رغم أنهما ليسا موكَّلين عنه في غيره ولا تحقَّق فيهما شرطُ الموطن المختار المبيّن في ورقة إعلان الحكم. لذا فإن المحكمة إذ لم تعرض هذا الدفع وتردَّ عليه رغم جوهريته، لما قد يترتب عليه من تغيُّر وجه الرأي في الاستئنافين، تكون قد أخلَّت بحقِّ الدفاع وشاب حكمَها القصور بما يستوجب نقضه في هذا الشق من الخصومة.
وحيث إنه عن النعي الثاني، فصائب؛ ذلك أن مفاد نص المادة 645 من القانون المدني أن الأصل في المقاول، وهو يصنع شيئاً أو يؤدِّي عملاً لربِّ العمل، أنه لا يخضع لإدارته وإشرافه بل يعمل مستقلاً طبقاً لشروط العقد، فلا هو يمثله ولا هو بتابع له، ومن ثم فلا يكون ربُّ العمل مسؤولاً عن خطئه. على أنه، وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة، متى كانت لصاحب العمل على المقاول سلطةٌ فعلية، بأن كان خاضعاً لتوجيهه ولرقابته في تنفيذ أوامره، كان مسؤولاً معه عن خطئه مسؤوليةَ المتبوع عن أعمال تابعه المقررةَ بنص المادة 177. فإن تحقَّق ذلك، كان الاثنان كلاهما مسؤولَين بالتضامن عن الأضرار الناشئة عن تنفيذ العقد، وجاز للمتضرر أن يختصمهما بطلب التعويض مجتمعين أو منفردين.
متى كان ذلك، وحيث إن المادة العشرين من عقد المقاول الأصلي والمادة 13 من عقد المقاولة من الباطن تضمنتا اتفاقاً على السلطة الفعلية لربِّ العمل على المقاول بما نصتا عليه من تولِّي الأول "الإشراف على تنفيذ الأعمال المتعاقد عليها" ومتابعةَ أعمال المقاول بواسطة جهةٍ يحدِّدها يكون لها "الحق في أي وقت في الدخول إلى موقع العمل ومعاينة الأعمال أثناء تنفيذها والإشراف عليها ومراقبة سيرها وإصدار الأوامر والتعليمات اللازمة لتنفيذها على الوجه المطلوب"، لذا فإن هذه السلطة في الرقابة والتوجيه الثّابتة لربِّ العمل على المقاول كفيلةٌ بأن تقيم علاقة التبعية بينهما، وبأن تنشئ مسؤولية الأول عن عمل الثاني مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه.
متى كان ذلك، فإن الحكم المطعون فيه إذ خالف هذا النظر وقضى بعدم صفة ربَّي العمل (المطعون ضدهما) في الدعوى، يكون أخطأ في تطبيق القانون بما يستوجب نقضه. ولا ينجيه من هذا أنْ أقام قضاءه على ما ورد في العقدين من الاتفاق على مسؤولية المقاول وحده دون ربِّ العمل عن التعويض عن الأضرار الناشئة عن خطئه؛ ذلك أن أحكام المسؤولية التقصيرية ليست وليدة الإرادة الحرّة بل هي من أمور النظام العام، والقانون هو الذي يقررها. وقد نصت المادة 220/3 من القانون المدني على بطلان الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية المترتبة على العمل غير المشروع لما فيه من انتقاصٍ من الضمان المقرر للطرف المتضرّر أن يعود على المتسببين في الضرر فرادى أو مجتمعين، ما يستتبع أن أثر ذلك الاتفاق لا يمتد إلى غير طرفيه.
النتيجة
نقض الحكم المطعون فيه، وبإحالة القضية لنظرها مجدداً من هيئة أخرى.


أضف تعليقاً